محمد بن جرير الطبري

269

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

ولكنهم شددوا وتعنتوا موسى ، فشدد الله عليهم ؛ فقالوا : ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ والفارض : الهرمة التي لا تلد ، والبكر : التي لم تلد إلا ولدا واحدا ، والعوان : النصف التي بين ذلك التي قد ولدت وولد ولدها فافعلوا ما تؤمرون . قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ قال : تعجب الناظرين : قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها من بياض ولا سواد ولا حمرة . قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فطلبوها فلم يقدروا عليها . وكان رجل من بني إسرائيل من أبر الناس بأبيه وإن رجلا مر به معه لؤلؤ يبيعه ، فكان أبوه نائما تحت رأسه المفتاح ، فقال له الرجل : تشتري مني هذا اللؤلؤ بسبعين ألفا ؟ فقال له الفتى : كما أنت حتى يستيقظ أبي فآخذه بثمانين ألفا . فقال له الآخر : أيقظ أباك وهو لك بستين ألفا . فجعل التاجر يحطله حتى بلغ ثلاثين ألفا ، وزاد الآخر على أن ينتظر حتى يستيقظ أبوه حتى بلغ مائة ألف . فلما أكثر عليه قال : لا والله لا أشتريه منك بشيء أبدا ، وأبى أن يوقظ أباه . فعوضه الله من ذلك اللؤلؤ أن جعل له تلك البقرة ، فمرت به بنو إسرائيل يطلبون البقرة ، فأبصروا البقرة عنده ، فسألوه أن يبيعهم إياها بقرة ببقرة فأبي ، فأعطوه ثنتين فأبي ، فزادوه حتى بلغوا عشرا فأبي ، فقالوا : والله لا نتركك حتى نأخذها منك . فانطلقوا به إلى موسى ، فقالوا : يا نبي الله إنا وجدنا البقرة عند هذا فأبي أن يعطيناها ، وقد أعطيناه ثمنا . فقال له موسى : أعطهم بقرتك فقال : يا رسول الله أنا أحق بمالي . فقال : صدقت ، وقال للقوم : أرضوا صاحبكم فأعطوه وزنها ذهبا فأبي ، فأضعفوا له مثل ما أعطوه وزنها حتى أعطوه وزنها عشر مرات ، فباعهم إياها وأخذ ثمنها . فقال : اذبحوها فذبحوها ، فقال : اضربوه ببعضها فضربوه بالبضعة التي بين الكتفين فعاش ، فسألوه : من قتلك ؟ فقال لهم : ابن أخي قال : أقتله وآخذ ماله وأنكح ابنته . فأخذوا الغلام فقتلوه . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة . وحدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، عن ابن زيد ، عن مجاهد . وحدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، قال : حدثني خالد بن يزيد ، عن مجاهد . وحدثني المثنى ، قال : حدثنا إسحاق ، قال : ثنا إسماعيل ، عن عبد الكريم ، قال : حدثني عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهبا يذكر . وحدثني القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، وحجاج ، عن أبي معشر ، عن محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس . وحدثني محمد بن سعد ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثني عمي ، قال : أخبرني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس . فذكر جميعهم : أن السبب الذي من أجله قال لهم موسى : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً نحو السبب الذي ذكره عبيدة وأبو العالية والسدي . غير أن بعضهم ذكر أن الذي قتل القتيل الذي اختصم في أمره إلى موسى كان أخا المقتول . وذكر بعضهم أنه كان ابن أخيه . وقال بعضهم : بل كانوا جماعة ورثة استبطئوا حياته . إلا أنهم جميعا مجمعون على أن موسى إنما أمرهم بذبح البقرة من أجل القتيل إذ احتكموا إليه . عن أمر الله إياهم بذلك ، فقالوا له : وما ذبح البقرة يبين لنا خصومتنا التي اختصمنا فيها إليك في قتل من قتل فادعى على بعضنا أنه القاتل أتهزأ بنا ؟ كما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال :